الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

14

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

خلقهم للرحمة ولذلك خلقهم ( 1 ) ، ولهذا فإن إعراضكم وعنادكم سوف لا يمنع لطفه مطلقا ، وينبغي أن لا يفتر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمؤمنون الحقيقيون ، فإن لهذا الإعراض عن الحق واتباع الشهوات والهوى والميول تاريخا طويلا . لكن ، ومن أجل أن لا يتصور هؤلاء بأن لطف الله اللامتناهي سيحول دون عقابهم في النهاية ، لأن العقاب بنفسه من مقتضى حكمته ، ولذلك يضيف في الآية التالية : فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين . فالآية تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأننا سبق وأن ذكرنا لك نماذج كثيرة من هذه الأقوام العاصية الطاغية ، وأوحينا إليك تفصيل حالهم بدون زيادة أو نقصان ، وكان من بينهم أقوام أقوى وأشد من مشركي العرب كثيرا ، ولهم إمكانيات وثروات وأفراد وجيوش وإمكانات واسعة . . كفرعون وآل فرعون ، والتاريخ ، وأوضح من ذلك أن تتدبروا ما نزل في القرآن في شأنهم لتعلموا أيها الطغاة المعاندون أنكم لستم في مأمن من عذاب الله الأليم أبدا . " البطش " - كما يقول الراغب في المفردات - بمعنى أخذ الشئ بالقوة ، وهنا اقترن بكلمة " أشد " وتعطي مفهوم شدة القوة والقدرة أكثر . والضمير في منهم يعود على مشركي العرب الذين خوطبوا في الآيات السابقة ، إلا أنهم ذكروا هنا بصيغة الغائب ، لأنهم ليسوا أهلا للاستمرار في مخاطبتهم من قبل الله تعالى . واعتبر بعض كبار المفسرين جملة ومضى مثل الأولين إشارة إلى المطالب التي جاءت في السورة السابقة - سورة الشورى - حول جماعة من هؤلاء . إلا أنه لا دليل لدينا على هذا التحديد ، خاصة وأنه قلما أشير إلى حوادث الأمم الماضية في سورة الشورى ، في حين وردت بحوث مفصلة حولهم في سور أخرى من القرآن .

--> 1 - هود ، الآية 119 .